محمد ابو زهره
719
خاتم النبيين ( ص )
فالنبي لم يرجع من الغنيمة بالإياب ، بل رجع بالغنيمة الكبرى ، وهي نشر الدعوة ، ومعرفة الذين يدعوهم وبسط سلطان اللّه في الأرض العربية ، ليعمها الإسلام ، ثم يكون من بعد ذلك لمن وراءها من أرض الشام ، وغيرها . غزوة ذي قرد 490 - خرجت غطفان بعد الخندق محنقة ، لأنها طمعت في صلح . ولم يعزمه النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم بل كان مراوضة لتخذيلهم عن قريش ، وقد تم بعض ذلك ، عادت مع قريش مذمومة مدحورة ، ولكن ما لم تستطعه بحرب أرادت أن تأخذه بالسلب والنهب والإغارة الجزئية ، والغصب ، ثم الفرار ، فصاروا كشطار العرب ، بل كلصوصهم ، يستوى في ذلك من كان قائدا ، ومن كان مقودا . أغار عيينة بن حصن الفزاري في خيل من غطفان على نوق لقاح للنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم بالغابة ، وفيها رجل من بنى غفار وامرأته . فقتلوا الرجل ، وساقوا المرأة مع اللقاح ، وكانوا بهذا كقطاع الطريق الذين يقومون بالسلب والنهب ، ورأوا أن ذلك أنكى للمسلمين من أن يلتقوا معهم في حرب تشتجر فيها السيوف ، وإن كان ذلك أبعد عن المروءة ، والخلق العربي الكريم . كان بعض فرسان المؤمنين قد علم بأمرهم ، منهم سلمة بن الأكوع ، ومعه غلام لطلحة بن عبيد اللّه معه فرس ، وقد أصبح يريد الغابة ، حتى إذا كانوا بثنية الوداع نظر إلى بعض خيول المعتدين ، فصرخ : واصباحاه ، ثم خرج يشتد في آثار القوم ، وكان رجلا قويا مثل السبع ، حتى لحق القوم ، وأخذ يردهم بالنبل ، ويقول ، إذا رمى : خذها وأنا ابن الأكوع . اليوم يوم الوضّع ( أي اللئام ) . وكانوا من قوة الرمي يحاولون أن ينقضوا عليه ، فإذا وجهت خيلهم نحوه انطلق هاربا من لقائهم وجها لوجه ، ولكنه يعارضهم ليتمكن من الرمي ، فإذا رمى يقول : خذها وأنا ابن الأكوع ، ولما بلغ رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ما كان من هؤلاء ، وسمع صياح ابن الأكوع دعا الفرسان من المهاجرين والأنصار ، فكان أوّل فارس تقدم المقداد بن الأسود ، وتوالى من بعد ذلك الفرسان الذين يتبعونهم فارسا بعد فارس . وقد رأى رجلا من رزين اسمه أبو عياش ، معه فرس ، فقال رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم : لو أعطيت هذا الفرس رجلا هو أفرس منك ، فقال رضى اللّه عنه : أنا أفرس الناس ، ولكنه ما جرى به خمسين ذراعا ، حتى طرحه أرضا . فتولى الفرس غيره ، وهكذا تولى الفرسان يلاحقون الفارين السالبين .